الرئيسية » آخر الأخبار » ارادة الحياة… مقال بقلم محمد عبد الكريم الوصيف

ارادة الحياة… مقال بقلم محمد عبد الكريم الوصيف

مقال

ارادة الحياة…!
لا أدري لماذا تذكرت اليوم بعد ما يزيد عن نصف قرن ذالك اليوم من ايام امتحان الباكالوريا بالصادقية.لسنة 1967. ولعل ذالك يعود لما قرأت على صفحات التواصل من ادعية الأمهات والأساتذة للذين بدؤوا اليوم اجتياز الباكالوريا.
لقد اجتزت امتحانات كثيرة جدا في الحياة في الدراسة والعمل على كثير من الاصعدة والمستويات العلمية والاعمال. ولكن امتحان الباكالوريا بالصادقية بقى عالقا بالذاكرة يستيقض احساسه ويتدفق في دمي وكأنه بالأمس القريب. ولعل الظروف الصعبة الحزينة التي صحبته بالنسبة للأمة العربية التي نكبت بهزيمة الايام السته أمام إسرائيل وبالنسبة لي لعدم تمكني من المراجعة في تلك الظروف ومن النوم بما يكفي لمجابهة الامتحان ولاخوض المنافسة على المراتب الأولى بالصادقية. ولكنني مع ذالك قررت التحدي وبذل أقصى ما املك من طاقة…!
غادرت ذالك اليوم سكن طلاب الزيتونة بمدرسة نهج الوصفان الي الصادقية. وجلست الي مكاني ووضعت ما معي من أقلام على الطاولة وبقيت نظراتي تجول أرجاء القاعة. كان زملائي يمازح بعضهم البعض في هدوء قبل أن يدق الجرس فيخيم الصمت على القاعة ولا تبقى سوي الأنفاس تتردد مع خطي المراقبين التي تتسارع كلما رفع احد الَممتحتين أصبعه.. كنت جائعا فلم يسعني الوقت لتدبر امر العشاء وكنت مرهقا لان طلبة الزيتونة الذين كانوا معي في ذالك المبيت العتيق جلسوا في باحته واستمر نقاشهم حول النكسة بصوت مرتفع الي قرابة الفجر..
واكتفيت في طريقي إلى الصادقية بتناول كوب من القهوة وسندويتش بالتونه. على عجل.
بدا الجرس وبدأ امتحان الفلسفة ورأيت التلاميذ تعلوا وجوههم ابتسامة عريضة. وسرعان ما انغمسوا في الكتابة دون توقف. وترددت بين موضوعين لازلت اذكرهما :
أحدهما يرتكز على مقولة حول الحرية والثاني حول مقومات الشخصية. والذي اجرينا نموذجا مشابه له قبل أيام وتفوقت على زملائي في الإجابة عليه. ولا ادري لماذا قررت تناول الأصعب. َموضوع الحرية.. لعله الشعور بالتحدي لزملائي. ولما أشعر به من فوارق ومن مصيبة النكسة…
انغمست في الكتابة وفي كل مرة تأتي الأستاذة اليهودية الحبلي لتقف بجانبي وتقرا ما اكتب.. . كانت بطنها منتفخة بحملها الذي يلامس مرفقي وانا اكتب وأشعر برائحة عطرها الخفيف وأود ان اطلب منها ان تبتعد عني لاتمكن من التركيز. ولكنني لم اجرأ. ولا ادري الي اليوم لماذا ركزت على كتابتي بالذات. لعل الأمر يعود إلى تشابه ما يكتبه زملائي او لحالتي الرثة ومهما يكن من أمر كنت أود أن تتركني وشاني..
ووجهت نظري الي الاستاذ الجالس على الكرسي بجانب الباب واشرت اليه باصبعي فتردد ثم اسرع الي وتحاشيت نظرات الأستاذة الوقفة بجانبي التي غادرت تجاه مكان زميلها الذي توقف بجانبي وسال:
ما بك.. ماذا تريد؟
_لا شيء اريد ان ابقى وحدي..!
وابتسم الاستاذ وغادر ليقف اخر القاعة. ا
استغرقت في الكتابة ونسيت خوفي وتعبي. نسيت كل شىء الا ما اكتبه واعيشه في الحرية..!
ودق الجرس وقد تحررت من جميع أعباء التعب والخوف.. ونظرت الي الأستاذة اللطيفة. واحسست انني قد ظلمتها. لعلها كانت تريد أن تعوضني عن الام والأخت في موقف يستدعي المساندة ورفع المعنويات…. ؟!
غادرت القاعة ووجدت استاذ الفلفسفة خرج المعهد وقد احاطت به زمرة من زملائي واردت ان اتحاشاه واعود مسرعا للسكن للنوم ولكنه أشار الي بالاقتراب منه. وسألني عن الموضوع الذي اخترته. فاجبته. فغضب غضبا شديدا لانه كان يعول علي لنيل جائزة التفوق في الفلسفة بتناول الموضوع الذي تدارسناه طويلا. ولم يعلم المسكين أنني لم اخيب أمله وان خيبت ظنه….
لقد جاءت النتائج وتفوقت رغم كل الظروف. ورغم الموضوع
انها ارادة الحياة حين تتوفر ومعها التوفيق من الله..

تونس في ٠16/6/2021
محمد عبد الكريم الوصيف
.
..

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.