الرئيسية » أدب الكتاب » زمان يا سادة يا كرام …. بقلم الكاتب علي الشافعي… وكالة الراي العربي.

زمان يا سادة يا كرام …. بقلم الكاتب علي الشافعي… وكالة الراي العربي.

افرحي يا ام العيال بقلم علي الشافعي
زمان ــ يا سادة يا كرام ــ كانت النصيحة تشترى بالنفيس من المال , لذلك اشتهر بين العرب المثل : ( النصيحة بجمل) , فيشترونها ويعتقدون ان تجارتهم رابحة , اما هذه الايام فهي تجارة كاسدة , ولا تجد من يأخذها ولو بأرنب , لكنني وعلى طريقة : الكيّس من اتعظ بغيره سأقدم لكم نصيحتي بالمجان , لا اريد منكم جزاء ولا شكورا , وهي نصيحة نابعة من تجربة مريرة خضت غمارها , وانتم احرار في النهاية : تأخذونها أم تضربون بها عرض الحائط , ذنبكم على جنبكم , والمثل يقول : ما احد يتعلم من كيس غيره .
اما النصيحة ــ يا دم سعد بني ابيكم ــ فتعرفون اننا مازلنا في فصل الشتاء , ومازال الجو باردا , رغم ما يظهر احيانا من دفء , فلا تغرنّكم الايام الخداعات , فتتخففوا من البستكم الثقيلة وتجلسوا على مقاعد وثيرة , تشاهدون التلفاز , وخاصة نشرات الاخبار , فتسهى عيونكم , فيحدث لكم ما حدث لمحدثكم ذات مساء , ماذا حدث ؟ سأقول لكم وامري الى الله , بعد ان تصلوا على سيدي رسول الله:
قبل ايام جلست ذات مساء على مقعد مريح في الصالة , على نغمات موسيقى هادئة , صادرة عن صوبة (مدفأة ) الكاز الفوجكا امام الشاشة , استمع الى خطاب دولة رئيس وزرائنا الاكرم , والذي يبشر فيه المواطنين بقرب خروجهم من عنق الزجاجة في منتصف العام 2019 . سرح فكري في قصة كنت قراتها في كتاب الف ليلة وليلة بعنوان (الصياد والزجاجة ) , تقول الحكاية ان صيادا فقيرا عاثرا معترا اعتاد التبكير الى شاطئ البحر , فيلقي شباكه ويعود في نهاية اليوم ما قسم الله له , فيبيعه ويشتري لعياله الخبز والطعام ومستلزمات البيت , حامدا الله وشاكرا لأنعمه , رغم كفاف العيش وضنك الحياة وضيق ذات اليد . وفي يوم من الايام القى الرجل شبكته فخرجت فارغة , القاها مرة اخرى فخرجت له زجاجة (قنّينة) قديمة محكمة الاغلاق , ومختومة بختم نبي الله سليمان عليه السلام , فرح الرجل كثيرا حيث ظن ان فيها من كنوز وجواهر نبي الله سليمان عليه السلام . حمل الرجل الزجاجة بيده وصاح : افرحي يا ام العيال وداعا للفقر , وسرح فكره سأفض الخاتم , وافتح الزجاجة واخرج الجواهر , وسأنطلق للسوق فابيع احداها , واملا السلة باللحم والخضار والفاكهة والحلوى , وبعض الملابس الجديدة وللأولاد وامهم , وافرحي يا ام العيال , وابتسم وهو يقدم الفستان الحريري المطرز لزوجه التي عانت معه ما عانت من شظف العيش وخشونته , وتخيلها وهي تلبسه فتبدو اجمل النساء . ثم اكمل : وغدا سأكتري اشهر البنائين والنقاشين والعمال ليبنوا لي قصرا اكبر واجمل من قصر السلطان , وعلى تلة مقابلة له , وافرحي يا ام العيال . وسأحضر افخر الاثاث والخدم والحشم , واملؤه بما لذ وطاب من الطعام , واعمل كل يوم وليمة , ادعو اليها علية القوم , فيعلموا انهم ليسوا اكرم مني , وافرحي يا ام العيال . ثم اخذ يعالج الزجاجة حتى فتحها , فاذا دخان كثيف يخرج من عنقها , وضحكات خشنة تشبه الرعد , اخذ يتكاثف فاذا هو مارد يطاول عنان السماء . ارتعب الرجل وارتعدت فرائصه وقال : بسم الله ! من انت يا سيدي ؟ قال بصوته الاجش القوي : انا ملك ملوك الجان الازرق , حبسني ملككم سليمان في هذه الزجاجة لأني اختلست من اموال الدولة , فأقسمت من يومها ان اثار من ذريته ولو بعد حين , واول واحد القاه سأقتله شر قتله , فهيء نفسك فانت مقتول لا محالة . قال الصياد وهو يرتجف : يا سيدي انا انسان مسكين ولي عيال ينتظرون عودتي لأشبع بطونهم , قال المارد : لقد اقسمت ولا بد من تنفيذ القسم , احس الصياد ان لا مجال امامه الا استخدام الحيلة مع هذا المارد المتعجرف اللص فقال : لي عندك يا سيدي طلب وبعدها اقتلني , قال المارد : الا العفو , اطلب . قال الصياد : انا لا اصدق ان هذا الحجم كله كان في هذه الزجاجة . الظاهر انك خرجت من الارض قال المارد : بل من الزجاجة . قال الصياد : ليتك يا سيدي تريني كيف وسعت الزجاجة كل هذا الحجم المهول , وبعدها نفذ حكمك . قال المارد : نحن الجان منحنا الله خاصية التشكل كما نشاء أتحب ان ترى ؟ قال الصياد : يا ليت يا سيدي , فما كان من المارد الا ان تحول الى دخان , وبدا يدخل في الزجاجة , فلما اكتمل دخوله اغلق الصياد الزجاجة بإحكام , ثم قال له : اقتلني شر قتلة ان انا اطلقت سراحك , ثم القى بالزجاجة في عرض البحر .
وكأنني سهوت ! فرأيت فيما يراه النائم وكأن منتصف عام 2019 قد حل , وان دولته قد جمع الناس ليزف لهم بشرى الخروج من عنق الزجاجة , وانه سيلبي كل مطالب الشعب , فليطلب كلٌ ما يشاء . قام احدهم فقال : يا دولة الرئيس اتمنى ان تنثر الحب على رؤوس الجبال كما فعل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه , حتى يشبع الطير ويسمن , فانا احب الصيد السمين وقد نسيت طعمه , قال دولته : لقد اوتيت سؤلك يا هذا , ثم وامر وزير الزراعة ان ينفذ الامر . وامر للرجل ببندقية صيد بعتادها . قال اخر : اما انا فأتمنى على دولتكم منحي سيارة سوداء كسيارات الوزراء والنواب , وان يكون وقودها على نفقة الدولة , فانا لا اقدر على ملء خزانها , واعلم ان وقودها في الشهر بعيشتي سنة . قال دولته : وانت ايضا لقد اوتيت سؤلك , ثم امر وزير التجارة والصناعة تنفيذ الامر بمساعدة وزير الطاقة . قال ثالث : اما انا فأريد ان اتزوج ابنة احد الاثرياء ولا اقدر على طلبات اهلها من مهر وشبكة وثياب واثاث . قال دولته : ابشر انت وكل الشباب امثالك , سيكون زواجكم وفرحكم على نفقة الدولة . ثم امر وزير التنمية الاجتماعية تنفيذ الامر بمساعدة وزير الاوقاف . قال رابع : اريد يا دولة الرئيس بيتا يشبه بيت احد مدراء الهيئات الحكومية المستقلة . قال : ولك ذلك ايضا . ولا ادري كيف تسللت فكرة الى راسي , واي شيطان خبيث اوحى لي بها , فوقفت وقلت : سيدي ارجو ان يسعني حلمك , اما انا فطلبي مختلف قليلا , قال : اطلب يا هذا ولا تخف , فالكل اليوم طلبه مجاب , قلت : يا سيدي لنا خمسون سنة ونحن في عنق الزجاجة . اتمنى على دولتكم ان لا تبخلوا علينا ان نراكم تدخلونها ولو يوما واحدا . وكأنني سمعت نفس صوت المارد , برق ورعد وهرج ومرج وجلبة وتدافع , والكل اطلق ساقيه للريح , لأفيق مذعورا ادافع الأخبثين , ولولا قرب الحمام ــ اكرمكم الله ــ وجاهزيته لحصل ما لا تحمد عقباه . طبتم وطابت اوقاتكم .
بقلم علي محمود الشافعي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.