أخر المستجدات
الرئيسية » أدب الكتاب » عندما تسيل الدماء

عندما تسيل الدماء

بقلم :الكاتب صلاح الطميزي

هناك على شرفة ذاك الشباك تغازل بنظراتها خيوط صفار الشمس قبل الغروب ، وتطقطق بأسنانها البيضاء برد الشتاء القارص ، وتزهر في فمها كلمات متلعثمة ، لست أفهم ما تقول سوى أنها متلهفة لتخرج أجمل الكلمات ، هذا ما عرفته بعد أن ….
هكذا كانت جميلة ورقيقة يلوح خصرها كلما هب نسيم الصبح من على شاطئ الأحزان ، حيث تسابق حبات رمله بعضها البعض ، لتلمس ثوبها الشفاف ، وتستنشق من تحت إبطها عطر الحياء الذي يفوح منه ، ولكن القدر العظيم أبى إلا أن يصفع صدرها ببعض الكلمات ، ويسير نحو معسكر قلبها كل الرصاصات ، فيقتل من الحياة فيها حتى النظرات ، تصفن في نفسها ساعة تعيد ذكرياتها وتسترجع لحظاتها ، تتساءل في نفسها وتقول بهمس بين شفاهها ، كلمات تريد أن تخرج من فمها ، فلا تستطيع لتبقى هذه الحروف أسيرة عالقة فوق لسانها وتحت الشفاه ، تنصت مره أخرى ، أنظر إليها وينطقني ما حل بأرض هاشم لسان حالها تذهب إلى فراشها الصغير الجميل تحاول أن تتكئ على وسادتها الصغيرة فيقرع الباب بضربات من نعال أولئك الحاقدين ، ويكسر الباب فلم يكن لديها الوقت لتصل إليه فتفتحه لترى أوغاد على هيئة بشر ، كلاب ترفض أن تضمهم لها الكلاب ، وإذا بهم يسيرون بها نحو ظلمة الأيام ، يجرونها على الأرض فتصرخ للحرية وتعزف للبقاء ،يدخلونها إلى حجرة التحقيق ، ينهالون عليها بالاسئله أين ؟ ومتى ؟ ومن ؟ وكيف ؟ وغيرها الكثير………..
تنصب لها مشنقة الحقد ، يريدون جمع الناس ليشاهدوا تلك الوردة البهية تقطف من غير ذنب تقترفه ، يأتي بها سجان الأيام فيجعلها تقف على منصة الشرف – المشنقة – التي نصبت لها ويأبى إلا أن يضع حول عنقها وسام الفخر ونداء الحرية (حبل المشنقة) ، في هذه الأثناء وقبل أن يزاح كرسي الموت من تحت أقدامها يطلب منها عدو الشمس أن تطلب ، رغم اعتيادية طلبه إلا أن استغربيه ردها أقوى من كل سجاني الأرض ..
تنصت فيطلب منها مرة أخرى أن تطلب ، وبابتسامة صفراء حاقدة يضربونها اطلبي رافعا بندقيته في وجهها قائلا (بلهجة التهديد) ظنا منه أنها تريد أن ترتجيه لكي يعفو عنها ، أو تركع تحت قدميه مستسمحة إياه لكي يفك وثاقها ، ولكنها طلبت ما هو أقدس من كل شيء واغرب من كل الغرائب ، طلبت ليزداد قلبها اعتزازا ويلوح رأسها فوق الجبال شموخا طلبت لتقتل بطلبها غرور كل سجان قرر أن يجعل من سجن الأجساد مقبرة للأحياء ينتظر لحظه حقد تعتريه ، ويقول لها انطقي ماذا تريدي ؟ فتقول طلبي أن احصل على ما هو أبقى منك أيها السجان ، طلبت أن احصل على جذوري وجذور أجدادي وآبائي من بين الأحزان ، ماذا يسألها بحقد وكراهية واستغراب ،فتقول حفنة تراب من تحت أقدام يافا وحيفا وجنين والخليل وغزة فيرد عليها مصعوقا من هول ما أنزل على مسامعه ، يهز برأسه يمينا ويسارا ولا يعرف ماذا يجيب ، ينصت برهة ويعاود النظر إليها ويسألها بتعجرف الحاقدين واستهزاء المتكبرين ، لماذا تريدين حفنة تراب من كل هذه الأوطان ؟
فتقول الرد بكل شموخ وإباء لتراقص ذرتها دموع الأقصى الحزين وتعانق آهاتها صرخات القدس السجين كي ترسم في دفترها والتي أصبحت تلملم أوراقه المتناثرة بعدما فرقها حقد الحاقدين لتصنع منه نصبا تذكاريا يزداد مع الأيام شموخا وتجعل منه أسطورة حب تعبد سطوره بدماء الخالدين .
اليوم وقد أصبح حلمها رمزا للوفاء ، وتحولت أحلامها جداول أهات تسيل منها دموع الشتاء ، لتحرق بناره ثلج القلوب المتشوقة للكيان الوحدوي الذاتي ، تريد أن تصنع كل شيء وشيء ، ولكن غدر الأيام تارة أخرى يكون لها بالمرصاد ، فيسلب القهر الورد ويقتل الحقد الحب ويضرب الليل النهار ، ليصبح كل مبصر بهذا المكان أعمى ، كيف لا ؟ وقد أجمعت كل جيوش الحقد لقهر عش محياها وبعثوا بكل لصوص الأرض لسلب وطن كان يشفيها لتتحول البراءة إلى إجرام في مثلث اللئوم والغش والأحقاد وتدنست الأرض بأقدام الغزاة الحاقدين .
تمنت … لقد كانت أمنيتها أن تحيا لترى ، وتعيش لتوزع ، وفجاه ذهب كل شيء في مهب الريح ، وأصبحت القلوب البريئة والشفاه الجميلة والعيون الواسعة يتيمة الأب والأم والأهل ، تأست القلوب وفقدت تلك الامنيه حلاوتها وعدمت تلك الشفاه رقتها ، فقد كانت تريد أن تحيا بطلا في زمن قل فيه الإبطال لترى وطنا حرا ينعم بالسلام وتعيش في ارض الأقصى والمهد لتوزع رساماتها الجميلة على كل الذين عشقوا الحياة .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.