الرئيسية » أدب الكتاب » قسمة ونصيب بقلم الأديبة رولا حسينات

قسمة ونصيب بقلم الأديبة رولا حسينات

قسمة ونصيب
الجوع والفقر والمرض هي الثالوث الأعظم الذي تعاني منه قريته أم الغيطان، وهو كذلك يعاني من حب فاطمة وبور أرضها…معادلات صعبة الحل وصعبة الموازنة…لكنه يسعى بأن يكون هذا الغنى الذي أصابه أن يظلل قريته بالخيرات، سيجعل منه صدقات كثيرة…كما تقصده عينا فاطمة ..”شافوا مرضاكم بالصدقات…”
مفهوم العبودية هو الذي يتفنن به أولوا الأمر وهم كثر،…من التجار…الخمس سنوات من حياته كغني مبتدئ فرضت قوانين جديدة لم يسنها هو بل سنها البشر أنفسهم، هم من جعلوه صاحب الأمر والنهي, وقد كان طيلة سنواته مع فاطمة صاحب الأمر والنهي…أي جنون هذا الذي يمنحه حبا إضافيا لا مزايدة فيه؟؟…مهما فعل لن يرد لها القليل مما تستحقه…أحضر لها تسريحة شعر مليئة بالعطور الملونة ذات الروائح الطيبة التي تثيره وكثيرا من الألبسة من الحرير والساتان الصفيفة وكثيرا من الألوان لتكحل عينيها وتدمي شفتيها…ما الذي يبهجك يا فاطمة ليأتيك به… وإن كان لبن العصفور..؟ رغبة واحدة كانت في قلبه لا يريدها أن تخونه فتفضحه..يريد لرغبته في الولد أن تموت في داخله، بإمكانه أن يتحايل على أسئلة المتطفلين …”الولد من الله..ولمّا يريد ربنا كل شيء بيتم…” يتحايل الكثيرون على ألسنتهم بعدم قص القصص الكثيرة أكثرها غبناً بأنه لا يستطيع الإنجاب،…لكن الحقيقة التي لن يغيرها بأنه لن يتزوج غيرها وإن لم ينجب صغاراً… لا يعنيه أيُّ شيء فهو يعرف نفسه وفاطمة وتلك الليالي الحميمة التي يقضيها في حضنها.
محاولاته الجادة في أن يلئم جرح فاطمة في أن يذهب في رحلة علاج طويلة في المدينة…
-هنا يا فاطمة الطب والأطباء… تطيل النظر فاطمة بالبنايات والشوارع والازدحام وحزم السحب الدخانية، الكثير من الأشياء تجعلها تلتصق به، حتى النساء في المدينة يختلفن هن أجمل وأرق..أن يخونها طاهر هذا ليس ضمن حساباتها لكنها امرأة وقلبها يغير، تضع يدها بيده وتسير إلى آخر العالم بثقة وأمل…شقتهما الصغيرة في الطابق الثالث والأدراج الملتوية والأبواب المواجهة بعضها البعض…الجارات يرمين إليها بشباك أعينهن دون أن يلقين السلام…الحيرة تقتلها لكن ما جاءت من أجله أهم بكثير من كلام نسوة ينسجن من الخيال قصصا لا تليق…
فاطمة بعينيها الكحيلتين وطولها الممشوق، وقدها المياس وبشرتها البيضاء الغضة، وشعرها المنسدل كستارة سوداء إلى منتصف ظهرها يجعلها حورية نسيت بوابة الجنة فلجأت إلى بابه، لم يكن حبها في قلبه لجمالها… أي نعم الجمال له حظ وافر من تفكير الرجل لكن هدوءها وتلك المسحة الإيمانية في كل ما تفعله وتضحيتها هي كلُّ شيء…كل ما يتمنى الرجل تحقيقه…
ولكن ثمن السعادة غال وهي صعبة المنال…دمعتها المتلألئة في عينيها هو ما كانت تملكه حين عادت وإياه من عند الطبيب كلماته مازالت ترن في أذنها…: زوجتك رحمها يحتاج وقتاً طويلاً كي يستعد لتقبل الحمل…
..أوقعت قلبه حين سقطت بمجرد ما دخلا باب شقتهما، وأفزعه أنينها…: لن أحبل يا طاهر…
ولسان حالها يحكي لك معاناة امرأة غلبها الحزن، إقفال باب الشقة لا يعني سوى سجنا، نعم، يعني سجنك مع امرأة بور لا تنجب..
-أنت يا طاهر تريد الولد والولد ليس عندي… يحضنها إلى صدره وتشيح بوجهها الذي تتدحرج عليه حبات سوداء…
– وتديرين ظهرك لي يا فاطمة وريحك في جسدي، أريني وجهك، أريدك أنت لا يهمني الولد بقدر ما يهمني أنت… أنت روحي… وتفيق على حب يجرفها لتنسى نفسك بين يديه…وتشرق الشمس الصغيرة، تتمعن بها وكأنها لأول مرة تراها..
-شمس أم الغيطان أكبر…
-القليل من الصبر يا فاطمة…
– لا أستطيعه في شقة صغيرة…تغم على قلبي، يا طاهر روحي أحسها كما لو في سجن… -تريدين العودة؟؟ سأوصلك وأعود ثانية إلى هنا، لن أطيل البقاء أمهليني فقط أياماً قليلة…لتأمين المصنع وأعود…
وتطيل البقاء يا طاهر والداية فوقية تزور فاطمة وتدس في أذنها الكثير من خبرات النساء وتزيل عنها الخوف.
– نساء كثيرات مثلك لم يحبلن لسنوات ثم لم يعدن يستطعن التوقف عن الإنجاب… و آهة تفر منها…: يا ليت… تعطيها الكثير من الأعشاب الموصوفة والماء المقروء عليه من شيخ يسكن في البعيد…تدس في يدها عملاً للحبل وتهمس في أذنها: تضعينه في طعام الحاج طاهر عندما يعود وستحبلين يا فاطمة…
وتطيل النظر في الطريق التي ستحمل طاهر…
والصبي ينادي على أمه أمينة زوجة فوزي وهو يجر ثوبها…: جيعان… أمينة امرأة طيبة تدس في جيب الصبي ورقة كاملة من النقود، يقفز كالمجنون وأمه تسحبه للبعيد، الكثير من الصدقات يا فاطمة تفرج الكرب…أمينة وفوزي أنعم الله عليهما بستة ذكور أصغرهم يجري وراءها ممسكاً بطرف ثوبها وهو يختلس بعينيه النظر لفاطمة، أمينة تنهاه على سلوكه…
– هو أغرب إخوته… هكذا تردد أمينة. تطبعين قبلة على خده يمسح أحمر الشفاه بثوبها الأسود.
ومازلت تطرقين الغيب وتكلمين الحمام ..”قليل من الصبر يا فاطمة لتلقين طاهر حبيبك…” والطريق البعيد ترجع المرسال الواحد تلو الآخر، وبريد العيون يعود خائباً…
إلى متى يكون البعاد؟؟ أما آن أوان طرق الأبواب المغلقة أملاً في اللقاء؟؟ قليل من الأيام بقي قبل أن تفشل في محاولة حملها التي لم تعد ترصد عددها، ثمان سنوات وهي تجود بالصبر على نفسها إلى متى ستصبر يا طاهر على أرضي البور؟؟
وتفيق في الليل على صوت سيارة تحمل طاهر… مكفهراً حزيناً مهدوداً ورغم كل شيء يطبع فوق رأسك قبلة ويدس جسده في السرير.
كم بقي دون أن ينبض قلبه بحبك يا فاطمة؟؟ وتهيم روحها في الأفق فتقبض إليك جسداً مهموما وروحاً توصدها المزاليج المعلقة بكل تنهيدة… ما سرك يا طاهر؟؟
..فوزي يهرول إلى الدار يسحب وراءه فهمي، الحاج طاهر يتصفح الأوراق وجميل كالمعتاد وكوب الشاي تطوف فوقه ثلاث ذبابات، يصيح بأبي المعاطي فيغير الكوب بآخر بعد أن صاح بأمينة التي تزم شفتيها وتمدهما… كم من الأيام بقيت مغاضباً حتى سكنت نفسك؟؟!!
يقبض فتح الله ثمن أرضه وفوزي يطلب زيادة له وللفلاحين.. همسة ترن في أذنك..” الصدقات تداوي المرضى..” تحول بين الدمعة والدمعة جلادتك وصرامة وجهك…لكن العينين تفضحان غيمة حزنك… فتزيدهم أجرهم ترتفع الأكف، جميل يطلب الإذن بالرحيل إلى المدينة حيث سيدرس هناك، يطمئنك عليه انطلاق لسانه بعد أن ساعد العمال في بناء المدرسة…صفان للبنين والبنات يحمّل أمه رسالة: بأنه سيدرس في الجامعة و يصبح موظف في بنك محترم… تدمع عيناك وتحمر وجنتا فاطمة وتغيب وهي تودع بكل
حركة من حركات جسدها هذا الفتى الذي بالأمس كان يهيم مع الحمام..

تهيم روحك وتحمد الله على أنه أبقى لك فاطمة… منقوع الأعشاب فعل مفعوله، لقد أمضى الحاج طاهر جلَّ ليله في الحمام…احترت بما ستخبرينه…أمام وهنه تضعفين، تعترفين بخيبتك وقلة حيلتك…يمسح على رأسك: كله بإرادة ربنا… ويطوي وجهه إلى البعيد وينام ما تبقى له من ليل…تطيلين الصلاة والدعاء وتشكين حزنك لله، وتبكين… تهرقين الدموع…

L’image contient peut-être : une personne ou plus

 

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.