الرئيسية » أدب الكتاب » قصة قصيرة عطر الفانيليا – بقلم القاصة رشيدة محداد

قصة قصيرة عطر الفانيليا – بقلم القاصة رشيدة محداد

قصة قصيرة عطر الفانيليا

ضايقتها نظراته،وهو يرمقها بين الفينة والأخرى، من تحت الجريدة.
تارة يكح، وتارة يرش عطرا قويا أصابها بالغثيان، مبتسما كلما التفتت إليه،و التقت عيناهما.
الساعة تشير إلى السادسة والربع مساء، والباص قرر هذا اليوم أن يكون مواطنا، صالحا، يتوقف بالمحطات مطولا ليخدم أكبر عدد من المواطنين…
تتذكر كيف كان “أحمد” يسافر إليها بمكالمة، حين تشتاق إليه.
روحه حقيبة مغلفة بإسمه وعنوانه، وتفاصيل وجهه وجسده.. حقيبة تصدح آهات على حافة الترقب والشوق !
اختصرت المحيط وماوراء البحار،وأجلسته بموعد حالم داخل طبلة أذنها وهي تحاول أن تنام بغرفة خالية منه بغيابه ..كان صوته حبة اسبرين للأرق اليومي الذي يصيبها ،يهمس طويلا بأذنها،فتنام وهي ترتبه قوافي شعر..ومعزوفة لقاء بين الوسادة والحلم !
تسترجع كيف ودعها بقبلة عميقة على جبينها،وهو يوصي جارتها “مي السعدية” بالاهتمام بها، هو لا يثق بأحد غيرها. انتقالهما للعيش بعيدا عن الأهل بهذه المدينة، كان يوقظ الحنين إلى مسقط رأسهما بالبادية ،لكن الزمن “أسد” إن لم يغرياه بحصة لحم سيأكلهما عوض الشريحة !
كان أحمد كل أهلها بتلك المدينة، يشتغلان معا بمصنع المناديل الورقية، يعيشان بساطة الأشياء بفرح، رغم غلاء المعيشة بمدينة الأحلام “الدار البيضاء”.
يجلسان بأول كل شهر ،على طاولة خشبية صغيرة، يمدان اوراقهما النقدية، قسط للإيجار، ومبلغ لفاتورة الماء والكهرباء، وآخر لجارهما “سعيد ” البقال..وما تبقى يودعه أحمد تحت عهدة زوجته، فهي تعرف كيف تقتصد شهرا آخر، بانتظار الأجر المقبل !

“عائد” بعد ساعات سيكون بحضن الوطن ، لكنها لم تكن جاهزة لاستقبال بدرجة “زوجة عاشقة”
للمرة الألف تسترق “عبير”النظر الى مرآة حقيبتها الصغيرة،تعدل زينتها،وترتب تسريحتها.. وتضيف بعضا من الحمرة الخفيفة على شفتيها الكرزيتين
تطلعت شاردة وهي تفكر :
لماذا الآن.. أما كان عليه أن يخبرني بأمر وصوله أسبوعا على الأقل؟! فماذا تنتظر المفاجآت من “عاملة” تلقت مكالمة وصول “همبرغري” سريع .. سوى اللقاء الشاحب !
أتغيرت ملامحي ، أصرت أجمل عن ذي قبل ؟
ماذا عنه ، ألا زال يحب ثيابي البسيطة ، ألا زال يحب اللعب بالملاهي كما الأطفال ؟
وتلك اللعبة التي كان يحب أن يراني فيها ، مزروعة بالسماء طائرة ، فتعلو ضحكاته كلما صرخت خوفا ! ألا زال يتذكرها ؟
أما زال يحتفظ بملامحي ،بزحمة الملامح الشقراء ، والأجساد الصارخة البيضاء ، أما زال يحب رائحة الإسفنج ، والشاي “المنعنع” و كعك وفول وحمص السوق “الأسبوعي” ..
أما زال يردد أغنية عبد الهادي بلخياط ويتذكر كيف غناها لي تحت شجرة الزيتون ،وأنا أرفع دلو الماء من البئر خجولة باسمة.

يا بنت الناس أنا فقير
دراهم يومي معدودة..
إنما عندي قلب كبير ..
بحر شطئانو ممدودة..
وفهميني..وفهميني..
يا بنت الناس.

والعطر..ألا زال يدوخه عطري ، يشطفني والمكان حيث بداية نحنحنة شهرزاد ، بحكاياتها المسلية لشهريار،تسقيه عطرا يخرس الديك ،فيظل مستيقظا ..ولا يخرس حب شهرزاد بقلب شهريار !
أما زال حب أحمد مستيقظا كما عطري ؟ أم أن العطر لم تعد له رائحة ، إلا بإسبانيا !

مذ تلقى أحمد عرض عمله فلاحا بإحدى الضيعات الإسبانية، وهي لم تمسس علبة زينتها ، الا بحفلة “عقيقة” ابنة جارتها “مي السعدية التي أصرت على أن تخرجها من حزنها ، فزينت يديها بوريدات حناء زركشتها بعود ثقاب ، وألبستها قفطان عرسها الأبيض، وشدتها من يدها تراقصها على إيقاعات سيدات طرب “عبيدات الرمى” وهي تهلل وتصلي على النبي ، وكأنها عروس البادية، تنتظر أن تزف بحصان لعريسها البدوي.
-لا أحب المفاجآت!
التفت صاحب الجريدة،متسائلا:
-عفوا..؟..
لم تنتبه لنفسها وهي تصرخ،نظرت للرجل معتذرة،ثم انتصبت متجهة نحو السائق:
-من فضلك،أسرع قليلا!
-في العجلة الندامة سيدتي!
ارتمت بأول مقعد صادفها، وهي تعض على شفتها السفلى :
-علي أن أصل قبله، هو يحبني بالفستان الزهري، ذكرى هداياه ونحن بفندق “النخيل” بمدينة مراكش ! الرحلة الأولى والأخيرة قبل سفره ،الهدية التي صرفها من المبلغ الذي اقترضه من صديقه “سعيد” من اجل السفر للعمل بالمزرعة..

كلماته..كم كانت رائعة ملونة كصندوق الهدايا المزركش : ( …..فليكن فستانا زهريا، أريد أن أراك ملونة ..وسأهديك عطرا ..فكم أعشق العطور…
ضعي شيئا منه حين أغيب ..العطور حضور واستحضار لأرواح كنا ولا زلنا نحبها ..فكل الذين أحببناهم جاؤونا عطرا بقارورة مفتوحة..غادروا..ولا زال عطرهم عالقا بخزائننا !)

-العطر !
صرخت عبير وكأنها نسيت أو ضاع منها شيئ تحت مقاعد الباص ! لقد نفذت زجاجة عطر “الفانيليا” ! فما هذا الحظ العاثر الذي يأتي بتوقيت الشحوب والارتباك !
توقف الباص أخيرا بالمحطة قبل الأخيرة،غادرت مهرولة والأفكار برأسها تتعارك وتتصارع …
عرجت نحو بائع العطور، واقتنت عطرها وطلبت من البائع تسجيل دائنة باسمها ، قد تسديها مساء اليوم !
دست العطر بالحقيبة، وسارعت نحو العمارة ، دون أن تلقي التحية على “با عمر ” حارس العمارة ،الرجل الطيب الذي لا يفتئ يرفع كفيه للسماء دعاء كلما مرت عليه .
لعنت مهندس العمارة الذي قرر ان يكون للشموخ واحد وثلاثون سلما، فتحت الحقيبة تبحث عن مفتاح اختفى لثوان،ليظهر وهو يهز حاجبيه مداعبا (لا وقت للدعابة والعبث)
إرتعد مفتاح الباب بين أصابعها وهي تحاول أن تفتحه..
موسيقى هادئة تمزق صمت البيت ..كعك وورود .
وحقائب جلدية ملونة ، وسوداء ، وعطر “فانيليا” يملأ المكان !

– أشرقي..من حيث تأتيك هداياي عبيرا يا “عبير” !

الشاعرة والقاصة المغربية رشيدة محداد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.