الرئيسية » آخر الأخبار » قلم رصاص ******** بقلم: ********** د. نهاد إبراهيم

قلم رصاص ******** بقلم: ********** د. نهاد إبراهيم

قلم رصاص

 

 

قابلتها..
مصادفة بحتة؟؟ لو كان الأمر كذلك لقلت إنها مسألة تحدث كثيرا. لكن مصادفة ثلاث مرات متوالية؟!! هذا ما يسمونه أهل السينما مصادفات قدرية بالإكراه ماركة “حسن الإمام”..
كأى إنسان طبيعى بدون ذيل.. كنت أمشى فى حالى فى شارع سليمان باشا.. فى عز شمس القاهرة المختنقة عن آخرها بهاموش الزحام كالعادة. ولماذا تنام المدينة وهى تعرف أن العمر قصير! أقصر من جرة قلم.. أقصر من رمشة عين.. من ينظر إلينا نحن سكان مدينة القاهرة يعتقد أننا ولدنا راقصى باليه بالفطرة.. بمنتهى التلقائية نعيش ونموت ونحن مهمومون جدا بتوجيه حركة كتف واحد إلى أقصى اليمين أو أقصى اليسار بشكل مفاجىء، هكذا بكل مرونة ورشاقة وتواضع وتسامح، لنتفادى طوفان الهابطين علينا من كل الاتجاهات من سلالات بشر وسيارات وتراب، لم ولن ينتهى عمرهم الافتراضى أبدا. الخلود هو الچين الوحيد الذى ورثناه بكل مهارة عن أجدادنا الفراعنة. نحن أبرع من يسجل أهدافا لا تنسى فى قلب الزمن..

<- المصريون فنانون بالفطرة، عظمتهم أنهم لا يشعرون بموهبتهم أبدا.>
كلمات ألقاها صديقى الأجنبى فى وجه الهواء، وهو يجلس بجانبى على القهوة فى شارع سليمان باشا. أسدل هو الستار على كلماته من هنا، وبدأت مسرحيتى أنا من هنا.. فجأة رأيتها تسير أمامى. أنا خبير النساء المحلى والدولى تعطلت كل مراوحى دفعة واحدة!!! لماذا أعجز عن وصفها؟ كيف أشتم رائحة شياط داخلى دون أن يكلف جرس الإنذار خاطره بالصياح والتصفيق؟؟ يا رب.. ماذا سيحدث لو تعطل جنزير عجلة الحياة وتجمد كل شىء فى ديب فريز الدنيا ولو ثوان معدودة؟؟؟
من طرف الرصيف الأيمن حتى طرف الرصيف الأيسر وكل وظيفتى فى الحياة متابعتها فى صمت مخيف. صمت أخافنى أنا شخصيا. صواريخ إشعاع ذرية موجهة نشلت إنسانيتى من جيبى. هل أنا هذا الملاك الذى يُحلِّق بجناح واحد فوق رأسها حتى غادرت الرصيف واختفت؟! اللعنة على هذا الرصيف القصير.. هذا الأبله يحمل قلبا من الطوب لا يعرف قيمة الحياة أبدا.. يتصور أن هذه اللحظات النادرة جدا فى حياتنا تملأ ألبومات الصور وتفيض..
فارقت هى الشارع وفارقته أنا معها من داخلى. جسدى المتصلب تكفّل وحده بمهمة الاستماع إلى صديقى، أما روحى فقد ضاعت كما تضيع منى فاتورة الكهرباء دائما ولا أجدها أبدا..

ثلاثون يوما كاملة مروا. ليس لى مشاوير فى شارع سليمان باشا. سافر صديقى الأجنبى فشعرت ببرودة الحرية عندما تحتلها الوحدة القاتلة. ووقعت أنا وحدى بين فكى الأسد.. من ناحية سأموت على الذهاب إلى هناك، ومن ناحية أخرى مرعوب رعبا أزليا من مجرد التفكير هناك.. بمنطق من يبحث عن عفريته من فرط خوفه جرجرتنى قدماى على نفس القهوة. فنجان.. فنجانان.. ثلاثة و… و…… أثناء حملقتى فى وجه القهوة للتفتيش عنها، فجأة أحسست بشعر رأسى يقف زنهارا. تيار كهربائى كاسح كنسنى من مكانى.
هى!
نفس الرصيف.. نفس الاتجاه.. تأثير مضاعف كاد يقتلنى ليبعثنى من جديد فى نسخة جديدة أدهشتنى جدا. ملعون أبو على هذا الرصيف القصير! ألم تصله معلومة أن الأرض كروية فيعيدها إلىّ مرة أخرى؟! لماذا لا تتحول ذرات هذا الرصيف الأحمق إلى بالون كبير يسير إلى أعلى حتى تظل هى أمام عينى على المدى؟ لماذا لا يستبدلون أسفلت الرصيف اللزج بورق سوليفان حنون يزحلق الناس إلى الوراء حتى لا يستكملوا طريقهم أبدا؟؟ لماذا لا تستوقفها أحد البرامج التليفزيونية السخيفة ويعطلونها بأكوام أسئلتهم التافهة؟؟؟
سأقتل هذا الرصيف المتبلد!

 

بكل بطء قاتل جاء موعد ميلاد اليوم التالى.. مرت أمامى. وجدت نفسى أقفز لأسير وراءها. أول ثلاث خطوات كنت مشغولا بين متابعتها وبين إخراج لسانى لهذا الرصيف المؤذى الذى أطأ عنقه الآن بقدمى الكبيرتين المنهكتين. انتهى الرصيف فتفرغت للمراقبة فقط. إلى أين؟ لا أعرف. لماذا؟ إلى متى؟؟ لا أريد أن أعرف. من رصيف إلى رصيف تأكدت أنها تسير إلى ما لا نهاية بنفس القوة والجدية. غريبة.. كل الأرصفة تشبه بعضها وكأن أمهم لم تلد إلا قطيع تواءم مجمعة. لم تكن هى مجرد فتاة. أول مرة أجدنى أمشى وراء نفسى وليس أمامها.. بقدرة قادر وجدت نفسى فى شارع سليمان باشا مرة أخرى. دلنى قلمى الحبر الذى تركته وحيدا على منضدة القهوة دون وداع على راية نقطة الانطلاق. يبدو أن الأرض كروية بحق.. قبل وصولى إلى نهاية الرصيف الملعون توقفت الفتاة فجأة.. فتوقفت أنا.. استدارت إلىّ.. فبحلقت فيها.. نظرات محددة موجهة مصوبة إلى عيناى من نشانجى بريمو حرام عليه أن يخطىء.. الأرض من تحتى تحولت إلى خوازيق مدببة على طريقة كمائن الهنود الحمر فى الغابات. تصلبت مكانى كوتر كونترباص مشدود على آخره.. قاموس كلماتى ابيضت صفحاته وعيناه تماما. بقايا ذاكرتى التى تفتخر بالزن فى رأسى تاهت بين الزحام وجنون الكلكسه. بللٌ غريب غارق فوق جبهتى يعيش حالة خصام كامل مع حلقى المجفف كشوكة صبّار الصحراء الشريرة..
التفتت..
استدارت…
مشت….
توقفت…..

<- إلى متى هذا الصمت؟!!>
– انخرست كل خبرات سنين عمرى..

– معك قلم؟؟>
مددت أصابعى المسحورة بقلم رصاص. أخرجت هى منديلا ورقيا وكتبت عليه شيئا.
التفتت..
استدارت…
مشت…
لم تتوقف…
الرصيف الملعون انتهى وفارقتنى هى. فردت المنديل الورقى بين يدى بكل اشتياق وهلع كمن يحمل طفله الحلال لأول مرة.
حروف ضائعة.. أرقام مبتورة.. فوازير كلمات متقاطعة لا حل لها أبدا..
ملعون أبو خاش هذا الرصيف القصير المتعجل دائما. ملعون أبو اللى جابوا غباء هذا القلم الرصاص عديم النظر. ملعون سنسفيلى أنا هذا العاشق المندهش العبيط..

شارع سليمان باشا..
مرات ومرات..
ليست هناك..
جرّبت كل باشوات ميادين وسط البلد من محمد فريد باشا إلى طلعت حرب باشا إلى مصطفى كامل باشا.
أيام وراء أيام..
ليست هناك..
استبدلت وردتى الحمراء المعلقة فى عروة الچاكتة بقلمى الرصاص المدلدل الرأس خجلا من ذنبه.
ليست هناك…………………………………
رائحتها محفورة فى قلبى بحبر خالد لا يصدأ.
الله يلعن أقلام الدنيا الجرداء وأرصفتها السَمِجَة وخوازيقها المتينة!
*********************************************************************************
بقلم: د. نهاد إبراهيم
من المجموعة القصصية “الكونت دى مونت شفيقه” جائزة اتحاد كتاب مصر لأفضل مجموعة قصصية عام 2012/2013

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.